أحمد بن علي القلقشندي

233

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فائقة الجمال ، فوجّه بها إلى دار لذريق على عادتهم في ذلك ، فوقع نظر لذريق عليها فأعجبته ، فاستكرهها على نفسها فاحتالت حتّى أعلمت أباها بذلك سرّا ، فشقّ ذلك عليه ، وحلف ليزيلنّ سلطان لذريق ، ثم تلطَّف حتّى اقتلع بنته من بيت لذريق ، ثم لم يلبث يليان [ أن كتب ] إلى موسى بن نصير ( 1 ) أمير أفريقيّة من جهة « الوليد بن ( 2 ) عبد الملك » يحرّضه على غزو الأندلس ، وحثّه على ذلك ، ووصف له من حسنها وفوائدها ما دعاه إلى ذلك وهوّن عليه أمر فتحها . فتوثّق منه موسى بن نصير بذلك ودعا مولى له كان على مقدّماته ، يقال له « طارق بن زياد » ( 3 ) فعقد له وبعثه إليها في سبعة آلاف ، وهيّا له يليان المراكب ، فعبر البحر وحلّ بجبل هناك يعرف الآن ( بجبل طارق ) فوجد عجوزا من أهل الأندلس - فقالت له : إنه كان لي زوج عالم بالحدثان ، وكان يحدّث عن أمير يدخل بلدنا هذا ، ويصفه بأنه ضخم الهامة وأنت كذلك ، وكان يقول : إنه بكتفه الأيسر شامة عليها شعر ، فكشف طارق ثوبه فإذا بالشامة كما ذكرت العجوز ، فاستبشر بذلك . ويحكى أنه رأى ( وهو في المركب ) النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والخلفاء الأربعة يمشون على الماء حتّى مرّوا ، فبشّره النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالفتح ، وأمره بالرّفق بالمسلمين والوفاء بالعهد ، فاستيقظ مستبشرا ، وتيقّن الفتح ، وهجم البلد فملكها . وكان عسكره قد انتهى إلى اثنى عشر ألفا إلا ستة عشر ، ولذريق في ستمائة ألف ، * ( والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِه مَنْ يَشاءُ ) * ( 4 ) وأقام طارق بالأندلس حتّى قدم إليها مولاه موسى بن نصير المتقدّم ذكره في رجب من السنة المذكورة . وأقام موسى فيها سنتين ثم انصرف إلى القيروان ، واستخلف عليها ابنه ( عبد العزيز ) فنزل قرطبة واتخذها دار إمارة لهم ، وتوجّه موسى سنة ستّ وتسعين بما سباه وما غنمه إلى الوليد بن عبد

--> ( 1 ) سبق التعريف به . ( 2 ) سبق التعريف به . ( 3 ) سبق التعريف به . ( 4 ) سورة آل عمران ورقمها ( 3 ) آية رقم ( 25 )